تقرير بحث النائيني للكاظمي
70
فوائد الأصول
كل من الإنائين من أول الأمر ولو قبل صدور البيع تجري وتسقط بالمعارضة ، ولا يتوقف جريانها على وقوع البيع خارجا . وبالجملة : لا ينبغي التأمل في أن عدم السلطنة على بيع الخمر وفساده كحرمة شربه من الآثار المترتبة على نفس المعلوم بالاجمال ، وقد عرفت : أن كل ما للمعلوم بالاجمال من الاحكام يجب ترتبه على كل واحد من الأطراف ( 1 )
--> ( 1 ) أقول : لما كان شأن العلم الاجمالي تنجيز الواقع المعلوم فالعقل يحكم بلزوم ارتكاب الطرفين أو تركه مقدمة للفرار عن العقوبة المحتملة ، ولازمه عدم مشاركة الطرفين للمعلوم إلا من حيث لوازم التكليف إطاعة أم عصيانا لمحض إرشاد العقل إلى الفرار عن العقوبة المحتملة ، وإلا فليس لنا دليل تعبدي على شركة الطرفين للمعلوم بالاجمال في جميع الآثار وضعا أم تكليفا ، ولذا نقول أيضا : إن العلم بالوضع لا يؤثر في الطرف شيئا إلا بملاحظة انتهائه إلى التكليف ، كما لا يخفى . وحيث كان الامر كذلك نقول أيضا : إن شأن العلم الاجمالي في الموضوعات ليس إلا إحراز صغرى الخطاب التكليفي ولو بواسطة إحراز حكم وضعي مستتبع لتكليف في البين ، كي ببركة هذا الصغرى المحرزة بالعلم يتنجز الكبرى المترتبة على موضوعه المحرز بالعلم ، وحيث عرفت ذلك ، فنقول : إن كل تكليف مترتب على المعلوم فلا شبهة في تنجزه باحراز صغراه ، ونتيجة تنجزه ليس إلا حكم العقل إرشادا بلزوم العمل عليه بارتكاب طرفيه أو تركه ، ولا فرق في ذلك أيضا بين كون التكليف المحرز واحدا في الطرف ومتعددا في طرف آخر ، من دون أن يكون التكليف الآخر مسببا عن الخطاب المعلوم موضوعا أم حكما . وأما لو كان مسببا عن شئ مضاف إلى موضوع الخطاب أو نفسه ، فان أحرز هذا السبب أيضا بنحو الاجمال نظير ارتكاب العصيان في الفسق وكالكفارة المترتب على ارتكاب الحرام شرعا أو الحد المترتب على شرب الخمر الحرام ، فلا إشكال أيضا في إحراز صغراه ولو إجمالا ، كأصل الخطاب الأولي ، فالعقل أيضا يحكم بوجوب مقدمة العلمية فعلا أو تركا ، خصوصا لو كان العلم الاجمالي بتحقق السبب موجبا للعلم التفصيلي بالمسبب ، كما هو الشأن في الكفارة والحد ، فيجب إقامتهما . وأما لو فرض عدم إحراز هذا السبب ولو بأن لا يرتكب إلا لاحد الطرفين أو لا يشرب إلا أحد الإنائين أو لا يقدم إلا على أحد المحتملين ، فلا شبهة في عدم إحراز صغرى الخطاب الثاني ، والفرض أن هذا الخطاب في طول الخطاب الأول أيضا ، بحيث يكون طرفيته للعلم في طول العلم بالخطاب الأول ، فحينئذ بأي وجه يحكم بوجوب الاجتناب عن الخطاب الثاني ؟ بعد فرض عدم إحراز صغراه وعدم طرفيته للعلم المنجز لفرض سبقه ولو رتبة بعلم آخر ، وبعد أن علمت ما ذكرنا ، فنقول : بعد الجزم بأن الملاقاة للنجس سبب لنجاسة الملاقي ( بالكسر ) قد عرفت في الحاشية السابقة بأنها واسطة لاكتساب الملاقي النجاسة من الملاقى ( بالفتح ) نظير اكتساب المفتاح الحركة من اليد ، كما يشهد له التعبير بتنجيسه الظاهر في المنشأية ، لا أنه حكم تعبدي مستقل ولا أنه مرتبة أخرى في عرض نجاسة الملاقى ( بالفتح ) مرتبة ، وحينئذ يصير نجاسة الملاقي ( بالكسر ) معلول نجاسة الملاقى ( بالفتح ) فلا جرم تصيران في التكليف أيضا طوليتين ، وحينئذ لا مجال لتنجز التكليف في الملاقي ( بالكسر ) لطولية علمه لعلم سابق منجز ، ومن هنا أيضا ظهر حال الثمرة للشجرة . وتفصيل القول فيه أيضا أن يقال : إن ملك النماء والمنفعة تارة يقال : إنه من آثار ملكية العين بحيث اخذ ملكية العين علة لملك النماء ، فلا شبهة في أن التكليف المتولد من هذه الملكية أيضا يصير في طول التكليف المتولد من ملكية العين ، وأخرى يقال : بأن ملكية المنفعة والعين في عرض واحد وإنما النماء من تبعات العين وجودا لا ملكية ، بل هما في عروض الملكية في عرض واحد ، فعلى الأخير : لا يكون الحكم التكليفي المتولد من ملكيتهما إلا عرضيا ، لعدم اقتضاء في طوليتهما ، وحينئذ فمهما وقع غصبية العين طرفا للعلم الاجمالي يصير غصبية النماء في عرضه أيضا طرفا ، فيصير المقام من صغريات العلم الاجمالي بتكليفين في طرف وتكليف واحد أو تكليفين في الطرف الآخر ، وفي هذه الصورة يصير جميع التكاليف منجزة في عرض واحد ، وفي هذا المقام لا فرق في وجوب الاجتناب عن ثمرة الشجرة المحتمل غصبيته بين أن يكون من طرف واحد أو من طرفين ، كلتا الثمرتين محل الابتلاء أو أحدهما بعد فرض الابتلاء بذات الشجرة من الطرف الآخر . وأما على الأول : فلا شبهة في إن التكليف المتوجه إلى الثمرة في طول التكليف المتوجه إلى الشجرة ، وفي مثله لا يكون العلم الاجمالي بين الثمرة والشجرة الأخرى إلا في طول علم آخر بين الشجرتين ، فمع فرض عدم الابتلاء بثمر شجرة أخرى لا وجه للاجتناب عن هذه الثمرة ، لان الثمرة متعلق تكليف مستقل غير تكليف الشجرة ، مع عدم إحراز موضوعه ، لان موضوعه ملك الغير المشكوك فعلا ، بعد فرض عدم جريان أصالة عدم ملكيته ، لمعارضته بأصالة عدم ملكية أخرى ، حسب اعترافه في الأصول التنزيلية ولو كانت مثبتة . وعلى أي حال : لا مجال لتوهم أن التكليف بحرمة التصرف في الثمرة من تبعات التكليف بعدم جواز التصرف في الشجرة المغصوبة وشئونه ويكفي في تنجزه تنجز التكليف بحرمة التصرف في الشجرة المغصوبة ، إذ الغرض من كونه من تبعاته وشئونه أنه تكليف آخر من تبعات التكليف بحرمة الغصب في الشجرة ، فمرجعه إلى اختيار الاحتمال الأول : من طولية تكليفهما ، ومع هذا الاختيار لا معنى لاقتضاء تنجز التكليف السابق رتبة بعلمه ، لتنجز هذا التكليف المشكوك موضوعه وجدانا ، مع فرض عدم كونه أيضا طرف العلم المنجز ، لسبقه بعلم آخر . وإن أريد أنه من تكليف آخر ، ولكن بملاحظة تبعية ذات المنفعة أو النماء للعين يحسب من تبعاته ، وإلا فهو تكليف آخر في عرض التكليف بالشجرة ، فمرجعه إلى الاحتمال الثاني : من منجزية العلم له أيضا ، لكونه من باب العلم بتكليف في طرف وتكليفين في طرف ، لا أن منجزه مجرد العلم بغصبية الشجرة ، إذ لا يكون علمه إلا منجزا لتكليفه لا لتكليف آخر ، فالمنجز للتكليف الآخر ليس إلا وقوعه طرفا للعلم الآخر المنجز . وإن أراد التكليف بالاجتناب عن الثمرة عين التكليف بالاجتناب عن الشجرة المغصوبة فبداهة فساده غني عن بيانه . نعم : الذي يسهل الخطب في هذا الباب إمكان ترجيح الاحتمال الثاني ، لعدم مقتض لطولية التكليفين في الثمرة والشجرة ، لان طولية أحدهما للآخر وجودا لا يقتضي طوليتهما حكما ، كما أنه لو بنينا على الطولية أيضا - لمكان جريان الأصول المثبتة للتكليف في الطرفين ، كما أوضحناه - لا يبقى مجال جريان البراءة عن الثمرة ، وهو العمدة في أصالة الحرمة في الأموال أيضا ، فتدبر تعرف . كما أن في مسألة الملاقاة قد عرفت أن ما هو المرتكز في الأذهان ومعقد كلمات الأصحاب والتعبير بتنجس الشئ للشئ في النصوص كون نجاسة ( الملاقي ) بالكسر ناشئة عن نجاسة الملاقى ( بالفتح ) بحيث يكون منشئه سرايتها من الملاقى ( بالفتح ) إلى الملاقي ( بالكسر ) ولذا يكون التكليف بأحدهما مسببا عن التكليف بالآخر ولو قلنا بالسراية بنحو ذكرنا ، كما هو المرتكز في الأذهان ، كما يشهد له كلماتهم في عدم تنجس العالي الوارد على النجس ، فتدبر .